Page 152 - web
P. 152
مقالات وآراء
دور الإعلام واللغة في مواجهة
جرائم العصر الحديث
(من نقل خبر الجريمة إلى الوقاية منها)
مع تطور أنماط الجريمة ووسائلها ،لم يعد الدور الإعلامي في مكافحتها يقتصر د .غازي العتيبي
على نقل الخبر بعد وقوعه .فالمخدرات والاحتيال المالي والجرائم الرقمية ،على أستاذ مشارك في اللغويات التطبيقية،
سبيل المثال ،تطرح تحديات تتطلب إعلاًمً ا وقائًيً ا يساعد في بناء وعي الجمهور ومشرف برنامج التواصل الإعلامي الدولي في
وقدرته على اكتشاف الخطر والتعامل معه .وتصبح اللغة هنا مهمة بشكل
خاص ،فكثير من جرائم العصر الحديث يبدأ برسالة تستغل ثقة الأشخاص أو أكاديمية وكالة الأنباء السعودية
خوفهم أو استجابتهم للإغراء .وقد تبدأ الوقاية منها برسالة مضادة مكتوبة
152
بعناية ودراية بمن يتلقى هذه الرسالة.
لم تعد الجريمة ترتبط دائًمً ا بمكان مشبوه أو مواجهة مباشرة بين الجاني
والضحية .فقد تبدأ برسالة نصية ،أو رابط إلكتروني ،أو مكالمة من شخص ينتحل
صفة موظف في بنك ،مثاًلا .وقد يكون هذا التواصل بإعلان استثماري مغٍٍر أو
حساب وهمي على منصة تواصل اجتماعي ،ومع تطور الذكاء الاصطناعي ،أصبح
من الممكن تقليد الأصوات والصور وإنتاج محتوى يصعب أحياًنًا التمييز بين
حقيقته وزيفه .وفي الوقت نفسه ،ما زالت جرائم المخدرات والاتجار بها تمثل
تحدًيً ا للمجتمعات ،حيث تتطور باستمرار وسائل ترويجها ،وكذلك وسائل استدراج
الفئات المستهدفة وطرق الوصول إليها.
هذا التحول يدعو إلى التفكير من جديد في دور الإعلام نفسه ،فلم يعد يكفي أن
يكون هذا الدور هو إخبار المواطن بحدوث جريمة ،بل ينبغي أيًضً ا أن يساعده في
معرفة كيف تبدأ الجريمة ،وما هي علاماتها ،وكيف يتصرف حتى لا يقع ضحية
لها .وبهذا ينتقل الإعلام من مجرد نقل الحدث إلى المساهمة في الوقاية منه.
فلا يكتفي بتقديم المعلومة ،بل يساعد في بناء المعرفة وتوجيه السلوك.
وتعكس الحملات التوعوية التي تنفذها الجهات المختصة في المملكة هذا
الاتجاه ،بما في ذلك مكافحة المخدرات وتشجيع المجتمع على الإبلاغ عن
مهربيها ومروجيها ،وأيًضً ا التوعية بالاحتيال المالي والرقمي .ومع ذلك ،لا يعني
مجرد وصول الرسالة إلى الجمهور أنها ناجحة دائًمً ا ،فالأهم أن تجذب انتباهه ،وأن
يفهمها ويتذكرها ،ثم يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل.
وهذا يقودنا إلى اللغة التي نستخدمها في هذه الرسائل .فعلى سبيل المثال،
عند التوعية بالمخدرات ،فإنه لا توجد رسالة واحدة تناسب الجميع .فما نقوله
للمراهق يختلف عما نقوله للأب أو الأم .والرسالة التي تهدف إلى منع التجربة الأولى
تختلف عن الرسالة التي توجه إلى شخص يحتاج إلى العلاج والتأهيل .كما ينبغي أن
تميز لغة الإعلام بين الشدة في الحديث عن جرائم التهريب والترويج ،وبين التعامل

